ابن الحسن النباهي الأندلسي

70

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

فقد التبسنا من فتن هذه الدنيا بما لا تجهله ؛ ونخشى أن توقفنا مع القاضي موقف مخزاة ، كنّا نفديه بملكنا . فصر في خصامك إلى ما صيّرك الحقّ إليه ! وعلينا خلف ما انتقصك ! » فأبى عليه سعيد الخير ، وقال : « سبحان اللّه ! وما عسى أن يقول قاضيك في شهادتك ، وأنت ولّيته ، وهو حسنة من حسناتك ؟ ولقد لزمك « 1 » في الديانة أن تشهد لي بما علمته ولا تكتمني ما أخذ اللّه عليك ! » فقال له الأمير : « بلى ! إن ذلك لمن حقّك كما تقول . ولكنك تدخل به علينا داخلة ؛ فإن أعفيتنا منه ، فهو أحبّ إلينا ؛ وإن اضطررنا ، لم يمكننا « 2 » عقوقك » . فعزم عليه سعيد الخير عزم من لم يشكّ أن قد ظفر بحاجته . وضايقته الآجال ؛ فألحّ عليه ؛ فأرسل الأمير الحكم عند ذلك عن « 3 » فقيهين من فقهاء حضرته ، وخطّ شهادته تلك بيده في قرطاس ، وختم عليه « 4 » بخاتمه ، ودفعها إلى الفقيهين ، وقال لهما : « هذه شهادتي بخطّي تحت طابعي « 5 » ! فأدّياها إلى القاضي » فأتياه بها إلى مجلسه ، في وقت قعوده للسماع من الشهود ، فأدّياها إليه ؛ فقال لهما : « قد سمعت منكما ؛ فقوما راشدين » وانصرفا . وجارت « 6 » دولة وكيل سعيد الخير ؛ فتقدّم إليه مذلّا ، واثقا بالخلاص ؛ فقال له : « أيها القاضي ، قد شهد عندك الأمير - أصلحه اللّه - فما تقول ؟ » فأخذ القاضي كتاب الشهادة ، ونظر فيه ؛ ثمّ قال للوكيل : « هذه شهادة لا تعمل بها عندي ! فجىء بشاهد عدل ! » فدهش الوكيل ، ومضى إلى موكّله ؛ وأعلمه ؛ فركب من فوره إلى الأمير الحكم وقال له : « ذهب سلطاننا وأزيل بهاؤنا ! ويجترئ هذا القاضي على ردّ شهادتك ، واللّه تعالى قد استخلفك على خلقه ، وجعل الأمر في دمائهم وأموالهم إليك ! هذا ما لا ينبغي أن تحتمله عليه » « 7 » وجعل يغريه بالقاضي ، ويحرّضه على الإيقاع به . فقال له الحكم : « وهل شككت أنا في هذا ؟ يا عمّ ، القاضي ، واللّه ! رجل صالح ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ! فقل الذي يجب عليه ، ويلزمه ، ويسدّ بابا كان يصعب علينا الدخول منه !

--> ( 1 ) في نفح الطيب ( ص 147 ) : « لزمتك » . ( 2 ) في نفح الطيب : « لم يمكنّا » . ( 3 ) في نفح الطيب « إلى » . ( 4 ) كلمة « عليه » ساقطة من نفح الطيب . ( 5 ) في نفح الطيب : « تحت ختمي » . ( 6 ) في نفح الطيب : « وجاء وكيل سعيد الخير » . ( 7 ) في نفح الطيب : « هذا ما لا يجب أن تحمل عليه » .